|
لقد بادر الرئيس زين العابدين بن علي منذ أن تحمّل أمانة قيادة البلاد في 7 نوفمبر1987 بالقيام بمصالحة وطنية شاملة لإعادة الثقة إلى النفوس وفي المستقبل، فكانت مصالحة الشعب مع قيمه الأصيلة التي تستمد جذورها ومنبعها من عمق وثراء مخزوننا الحضاري وتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف
ومن بين هذه القيم نذكر بالخصوص التضامن الذي عرّف سيادة الرئيس مفهومه في خطابه الافتتاحي للندوة الدولية الثانية عشرة للتجمع الدستوري الديمقراطي حول "التضامن الدولي وتحديات التنمية في القرن القادم" في نوفمبر 2000 كما يلي :"إن التضامن واجب إنساني نبيل وهو من القيم الجوهرية المشتركة التي قامت عليها كافة الثقافات والحضارات ودعت إليها كل الأديان"
فالتضامن كشعور وواجب إنساني نبيل لا يمكن أن يؤمن به ويتحلّى بخصاله إلا من كانت له شخصية مفعمة بالإنسانية وبالحسّ الاجتماعي المرهف مثلما هو الشأن بالنسبة إلى الرئيس زين العابدين بن علي صاحب القلب الكبير حيث بات من المعروف أنّ الحس الإنساني والتضامني هو من خصائص شخصيته وسمة من سماته وهو ما يتجلى من خلال قربه من الفئات الضعيفة وعطفه الفياض عليها وحرصه الشديد على إحاطتها بكل أسباب العناية والرعاية. وفي كلمة واحدة : تضامنه الكامل معها وانتصاره لقضاياها ومشاغلها
فمن منا لا يتذكر زياراته الفجئية المتتالية والمتواصلة منذ الأيام الأولى للتغيير (فيفري 1988) لكل من المعهد الوطني لرعاية الطفولة ومراكز المسنين والمعاقين والمناطق النائية والضعيفة وللسجون أيضا
وقد كانت هذه الزيارات الميدانية مناسبة للاطلاع على أوضاع مختلف هذه الفئات والإنصات إلى مشاغلها والتعرف على تطلعاتها بصفة مباشرة بما مكّن من تطوير اشكال الرعاية والإحاطة بها
وكان رئيس الدولة يخصص إثر كل زيارة ميدانية جلسة أو حتى جلسات عمل لإيجاد الحلول الكفيلة بتجاوز الإشكاليات والصعوبات المطروحة والحرص على متابعة تنفيذ الإجراءات المتخذة
وهكذا أصبح الاختيار الاجتماعي التضامني أحد الركائز الأساسية لسياسة الرئيس بن علي الذي عمل على تكريس مبدأ التلازم بين الأبعاد الاقتصادية والأبعاد الاجتماعية والإنساية للتنمية بما اضفى على مسيرتنا التنموية صبغتي التوازن والشمولية
وقد جعل سيادته من العمل لفائدة هذه الفئات ذات الحاجات الخصوصية عملا جماعيا مشتركا تقوم فيه الدولة بالدور المحوري بالتعاون والشراكة مع النسيج الجمعياتي الذي يشهد تناميا مطردا منذ التغيير باعتباره شكلا من أشكال التضامن ولبنة من لبنات إرساء المجتمع المدني المتآزر والمتكافل
وقد أبرز سيادة الرئيس هذا التوجه في المحاضرة التي ألقاها يوم4 ديسمبر1997 بجامعة أنكونا الإيطالية بقوله : "كما أسسنا مقاربتنا للتنمية الاجتماعية على القيم التي تميّز حضارتنا والشخصية الوطنية التونسية، وجعلنا من التضامن الوطني، محورا جوهريا فيها..."
تطوّر مفهوم التضامن
شهد مفهوم التضامن في تونس تطورا كبيرا فإلى جانب كونه قيمة أخلاقية فهو يعتبر أيضا حقا من حقوق الإنسان في مفهومها الشامل والمتكامل
ففي البرنامج الرئاسي المستقبلي لسنة 1999 وتحديدا النقطة 15 :"ثقافة حرية وتسامح وتضامن أكد سيادة الرئيس على أن "الحق في التضامن هو من أهم حقوق الإنسان الأساسية كما أن واجب التضامن واجب مقدس ينبغي للإنسانية جمعاء أن تؤديه في سخاء"
لذلك عمل سيادة الرئيس منذ التغيير على إذكاء روح التضامن المتأصلة في الشعب التونسي وعلى غرس ثقافة التضامن وسلوكياته حتى يكون العمل التنموي إنساني الأبعاد ضمانا لدوام التكاتف والتآزر بين أفراد الشعب وفئاته بما يساهم في دعم الاستقرار والأمن الاجتماعي اللذين تنعم بهما بلادنا اليوم
وهكذا تطوّر مفهوم التضامن في تونس ليصبح لا فقط كما بين سيادة الرئيس "قيمة أخلاقية مثلما هو معتاد في بعض التحاليل بل هو بالأساس علاقة اجتماعية ورباط بين الأفراد والمجموعات"
وقد توج هذا التطور لمفهوم التضامن في تونس ليصبح قيمة دستورية للدولة إثر الاستفتاء التاريخي ليوم 26 ماي 2002 حول الإصلاح الجوهري للدستور حيث تمّ إدراج التضامن ضمن الفقرة الثالثة من الفصل الخامس للدستور وذلك على النحو التالي :"تعمل الدولة والمجتمع على ترسيخ قيم التضامن والتآزر والتسامح بين الأفراد والفئات والأجيال"
وهكذا أصبح التضامن قيمة من القيم الأساسية للنظام الجمهوري التي تساهم في تحديد ملامح الدولة ونظامها والمشروع المجتمعي للبلاد. وبالتالي أضحى التضامن علاقة حضارية بين الدولة وكل مكونات المجتمع
وبذلك يكون مفهوم التضامن في تونس قد تحوّل من عمل إسعافي خيري ومبادرات فردية على أهميتها إلى قيمة دستورية ثابتة وسياسة تضامنية شاملة ومندمجة تستند إلى منظومة متناسقة وتتوفر على آليات متنوعة تضطلع فيها الدولة وأطراف المجتمع المدني بأدوار متكاملة في إطار مقاربة تشاركية تضمن أوسع فرص المساهمة وتحقق الجدوى المرجوة
ومن أبرز هياكل وآليات التضامن التي بادر سيادة الرئيس بإحداثها نذكر في المقام الأول صندوق التضامن الوطني 26/26 ثم البنك التونسي للتضامن ونظام القروض الصغرى والصندوق الوطني للتشغيل 21/21 هذا فضلا عن الاتحاد التونسي للتضامن الاجتماعي هذا الهيكل الاجتماعي العريق الذي ما انفك رئيس الدولة يحرص على دعم موارده وتطوير أساليب عمله وتعزيز تدخلاته
وبالنظر إلى النجاح الذي حققته هذه الآليات ولا سيما صندوق التضامن الوطني فقد تعزز إشعاع تونس حيث اضطلعت بلادنا بدور هام في جعل التضامن قيمة أساسية في العلاقات الدولية وذلك من خلال المبادرة الرائدة التي أطلقها سيادة الرئيس زين العابدين بن علي والمتمثلة في إحداث الصندوق العالمي للتضامن الذي أصبح اليوم جهازا أمميا قائم الذات بعد أن حظي بمصادقة الجمعية العامة للأمم المتحدة وهو لا ينتظر إلا تعبئة الموارد المالية اللازمة لينطلق في عمله وقد كانت تونس سباقة إلى ذلك من خلال مبادرتها بتخصيص جزء من عائدات تبرعات اليوم الوطني للتضامن (8 ديسمبر من كل عام) لتمويل هذا الصندوق
وهكذا يمكن القول أنه بفضل هذه الآليات التضامنية الرائدة والصيت العالمي الذي اكتسبته ارتقى العمل التضامني في تونس إلى مستوى "التنمية المتضامنة" هدفها تحقيق التنمية الذاتية من خلال مساعدة الأفراد والفئات المستهدفة على الخروج من دائرة المساعدة إلى دائرة الإدماج عبر العمل والإنتاج باعتبار أن التضامن لا يعني البتة التشجيع على التواكل بل يدفع إلى التعويل على الذات والأخذ بزمام المبادرة
وهو نفس التوجه الذي جاء به البرنامج الرئاسي لتونس الغد(2004-2009) الذي أكد على أن هذه الفترة ستشهد تفعيل دور التضامن في إعادة إدماج المسرحين من الشغل لأسباب اقتصادية في دورة الإنتاج وكذلك تفعيل الشراكة مع مكونات المجتمع المدني في مجال التضامن وإعطائها دورا أكبر لا سيما في الإحاطة بالفئات ذات الاحتياجات الخصوصية من معوقين ومسنين وطفولة فاقدة السند وأميّين وغيرهم
|